الخطيب الشربيني
453
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ أي : الذي له العظمة كلها وَرَسُولَهُ الذي ختم به النبوّة والرسالة ، فجعل رسالته محيطة بجميع الملل في التوحيد وغيره على سبيل الحجر فَإِنَّ لَهُ أي : خاصة نارَ جَهَنَّمَ أي : التي تلقاه بالعبوسة والغيظ ، وقوله تعالى : خالِدِينَ فِيها أَبَداً حال مقدّرة من الهاء في له . والمعنى : مقدّر خلودهم والعامل الاستقرار الذي تعلق به هذا الجار وحمل على معنى من فعل ذلك ، فوحد أوّلا للفظ وجمع للمعنى . وأكد بقوله تعالى : فِيها ردّا على من يدعي الانقطاع . قال البقاعي : وأمّا من يدعي أنها لا تحرق وأنّ عذابها عذوبة فليس أحد أجنّ منه إلا من تابعه على ضلاله وغيه ومحاله ، وليس لهم دواء إلا السيف في الدنيا والعذاب في الآخرة بما سموه عذوبة وهم صائرون إليه وموقوفون عليه . وحتى في قوله تعالى : حَتَّى إِذا رَأَوْا ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر قبلها أي لا يزالون على كفرهم إلى أن يروا ما يُوعَدُونَ من العذاب في الآخرة أو في الدنيا كوقعة بدر فَسَيَعْلَمُونَ أي : في ذلك اليوم بوعد لا خلف فيه مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً أي : من جهة الناصر أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيدا مستضعفا أو هم وَأَقَلُّ عَدَداً وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عددا إلا الله تعالى ، فيالله ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون أنفسهم ويذكرون قوّتهم من جهة مولاهم الذي بيده الملك ، وله جنود السماوات والأرض بخلاف الجبابرة ، فإنهم لا كلام لهم إلا في تعظيم أنفسهم وازدراء غيرهم . قال مقاتل : لما سمعوا قوله تعالى : حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً قال النضر بن الحارث : متى يكون هذا الذي توّعدنا به ، قال الله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : قُلْ أي : لهؤلاء في جوابهم بإتيانهم العذاب وسألوا استهزاء عن وقت وقوعه إِنْ أي : ما أَدْرِي بوجه من الوجوه أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أي : فيكون الآن أو قريبا من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قرب ، وقوله أَمْ يَجْعَلُ أي : أم بعيد يجعل لَهُ أي : لهذا الوعد رَبِّي أي : المحسن إليّ إن قدمه أو أخره أَمَداً أي : أجلا مضروبا فلا يتوقع دون ذلك الأمد فهو في كل حال متوقع ، فكونوا على غاية الحذر لأنه لا بدّ من وقوعه لا كلام فيه ، وإنما الكلام في تعيين وقته وليس إليّ . فإن قيل : أليس إنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « بعثت أنا والساعة كهاتين » « 1 » فكان عالما بقرب وقوع القيامة فكيف قال ههنا لا أدري أقريب أم بعيد ؟ أجيب : بأنّ المراد بقرب وقوعه هو أنّ ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى ، فهذا القدر من القرب معلوم ، فأمّا معرفة مقدار القرب المرتب وعدم ذلك فغير معلوم . تنبيه : أقريب خبر مقدّم ، وما توعدون مبتدأ مؤخر ، ويجوز أن يكون قريب مبتدأ لاعتماده على الاستفهام ، وما توعدون فاعل به ، أي : أقريب الذي توعدون نحو : أقائم أبواك ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بسكونها . وقوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ بدل من ربي أو
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 39 ، والطلاق باب 25 ، وتفسير سورة 79 ، باب 1 ، ومسلم في الجمعة حديث 43 ، والفتن حديث 132 - 135 ، وابن ماجة في المقدمة باب 7 ، والفتن باب 25 ، والدارمي في الرقاق باب 46 ، وأحمد في المسند 4 / 309 ، 5 / 92 ، 103 ، 108 .